فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشعراوي:

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)}.
ونعلم أن الإنسانَ في حياته بين أمرين؛ إما ظَاعن أي: مسافر، وإما مقيم، وفي حالة المقيم، فالأنعامُ تُحقِّق له الدِّفْء والطعام والمَلْبس، وعادةً ما يكتفي متوسطُ الحال بأنْ يستقرّ في مكان إقامته وكذلك الفقير.
أما المُقْتدر الغنيّ؛ فأنت تجده يومًا في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، أو طنطا، وقد يسافر إلى الخارج، وكلُّ ذلك ميسور في زمن المواصلات الحديثة، وقديمًا كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا مَنْ كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما مَنْ لم يكن يملك إلا حمارًا أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة.
ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظلموا أَنفُسَهُمْ} [سبأ: 19].
وهم قد قالوا ذلك اعتزازًا بما يملكونه من خَيْل ووسائل سفر من دوابّ سليمة وقوية، تُهيِّئ السفر المريح الذي ينمُّ عن العِزّ والقوة والثراء.
وقول الحق: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} [النحل: 7].
يعني وضع ما يَثْقل على ما يُثَقّل؛ ولذلك فنحن لا نجد إنسانًا يحمل دابته؛ بل نجد مَنْ يحمل أثقاله على الدابة ليُخفِّف عن نفسه حَمْل أوزانٍ لا يقدر عليها.
ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة؛ كما أن الحجمَ يتبع المساحة؛ فحين تنظر إلى كيلوجرام من القطن، فأنت تجد حجم كيلوجرام القطن أكبرُ من حجم الحديد؛ لأن كثافة الحديد مطمورة فيه، أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزًا اكبر من المساحة.
ويتابع الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس} [النحل: 7].
ومَنْ يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: إن عَجُزَ الآية غَيْر متفق مع صَدْرها.
ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلى المِنّة التي يمتنُّ بها الله على خَلْقه، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقالَ إلا بمشقَّة؛ فما بالنا بثِقَل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟
إنها نعمة كبيرة أنْ يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون.
وكلمة {بِشِقِّ} [النحل]. مصدرها شَق وهو الصِّدْع بين شيئين؛ ويعني عَزْل متصلين؛ وسبحانه هو القائل: {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94]، وهناك شَق وهو الجهد، وشقَّة، والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إمَّا نائم؛ لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته؛ وأيضًا وهو مُتيقِّظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة؛ بل تحتاج إلى طاقة مُتوسِّطة لتعملَ؛ أما إنْ كان يحمل أشياء ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته.
وكذلك نجد الحق سبحانه يقول: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة}.
[التوبة: 42].
والمعنىّ هنا بالشُّقة هي المسافة التي يشقُّ قطعُها، ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7].
والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة، وكل منهما مناسب لِمَا جاء بالآية؛ فالربُّ هو المُتولِّي التربية والمَدَد، وأيُّ رحلة لها مَقْصِد، وأيُّ رحلة هي للاستثمار، أو الاعتبار، أو للاثنين معًا.
فإذا كانت رحلةَ استثمار فدابّتُك يجب أن تكون قويةً لتحمل ما معك من أثقال، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع.
وإنْ كانت الرحلةُ للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلى المكان الذي قصدته.
وهكذا تجد الرأفةَ مناسبةً لقضاء النفع وتحقيق الحاجة وإزالة الألم، وكلمة رحيم مناسبة لمنع الألم بتحقيق الوصول إلى الغاية.
وتوقَّفَ بعضٌ من العلماء عند مَقْصِد الرحلة؛ كأن تكون مسافرًا للاتجار أو أن تكونَ مسافرًا للاعتبار، ولكن هذا سفرٌ بالاختيار؛ وهناك سفر اضطراري؛ كالسفر الضروري إلى الحج مرة في العمرة.
والحق سبحانه يزيل ألم الحَمْل الثقيل، وبذلك تتحقق رأفته؛ وهو رحيم لأنه حقَّق لكم أُمنية السفر.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {والخيل والبغال}.
وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه الأنعام التي نأخذ منها المأكولات، يذكر لنا في هذه الآية الأنعام التي نستخدمها للتنقل أو للزينة؛ ولا نأكل لحومها وهي الخَيْل والبِغَال والحمير؛ ويُذكِّرنا بأنها للركوب والمنفعة مع الزينة؛ ذلك أن الناس تتزيَّن بما تَرْكب؛ تمامًا كما يفخر أبناء عصرِنا بالتزيُّن بالسيارات الفارهة.
ونَسَقُ الآية يدلُّ على تفاوت الناس في المراتب؛ فكلُّ مرتبة من الناس لها ما يناسبها لِتركبه؛ فالخَيْل للسادة والفِرْسان والأغنياء؛ ومَنْ هم أقلُّ يركبون البغال، ومَنْ لا يملك ما يكفي لشراء الحصان أو البغل؛ فيمكنه أنْ يشتريَ لنفسه حمارًا.
وقد يملك إنسانٌ الثلاثة ركائب، وقد يملك آخرُ اثنتين منها؛ وقد يملك ثالثٌ رُكوبة واحدة، وهناك مَنْ لا يملك من المال ما يُمكِنه أنْ يستأجرَ ولو رُكوبة من أيّ نوع.
وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد منهم قِلَّةً أو كثرةً، وإلا لو تساوى الناس في الرزق، فمَنِ الذي يقوم بالأعمال التي نُسمِّيها نحن بالخطأ أعمالًا دُونية، مَنْ يكنس الشوارع، ومَنْ يحمل الطُّوب للبناء، ومَنْ يقف بالشَّحْم وسط ورش إصلاح السيارات؟
وكما نرى فكلُّ تلك الأعمال ضرورية، ولولا رغبةُ الناس في الرزق لَمَا حَلَتْ مثل تلك الأعمال، وراقتْ في عُيون مَنْ يُمارِسونها، ذلك أنها تَقِيهم شَرَّ السُّؤال.
ولولا أن مَنْ يعمل في تلك الأعمال له بطنٌ تريد أنْ تمتليءَ بالطعام، وأولاد يريدون أنْ يأكلوا؛ لَمَا ذهب إلي مشقَّات تلك الأعمال، ولو نظرتَ إلى أفقر إنسان في الكون لوجدتَ في حياته فترة حقَّق فيها بعضًا من أحلامه.
وقد نجد إنسانًا يكِدُّ عَشْرة سنين؛ ويرتاح بقية عمره؛ ونجد مَنْ يكِدّ عشرين عامًا فيُرِيح نفسه وأولاده من بعده، وهناك مَنْ يتعب ثلاثين عامًا، فيُريح أولاده وأحفاده من بعده، والمهم هو قيمة ما يُتقِنه، وأن يرضَى بقدر الله فيه، فيعطيه الله ما دام قد قَبِل قدره فيه.
وأنت إنْ نظرتَ إلى مَنْ فاء الله عليهم بالغِنَى والتَّرف ستجدهم في بداية حياتهم قد كَدُّوا وتَعِبوا ورَضُوا بقدر الله فيهم، ولم يحقدوا على أحد، نجده سبحانه يهديهم طمأنينةَ وراحةَ بالٍ.
وشاء سبحانه أنْ يُنوِّع في مُسْتويات حياة البشر كَيْلا يستنكفَ أحدٌ من خدمة أحد ما دام يحتاج خدماته.
ونجد النصّ التعبيري في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو خَيْل وبِغَال وحمير؛ وقد جعل الحق سبحانه البغال في الوسط؛ لأنها ليست جنسًا بل تأتي من جنسين مختلفين.
ويُنبِّهنا الحق سبحانه في آخر الآية إلى أن ذلك ليس نهاية المَطَاف؛ بل هناك ما هو أكثر، فقال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
وجعل الحق سبحانه البُراق خادمًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل بساط الريح خادمًا لسليمان عليه السلام، وإذا كانت مثل تلك المُعْجزات قد حدثتْ لأنبياء؛ فقد هدى البشر إلى أنْ يبتكروا من وسائل المواصلات الكثير من عربات تجرُّها الجِيَاد إلى سيارات وقطارات وطائرات.
وما زال العلم يُطوِّر من تلك الوسائل، ورغم ذلك فهناك مَنْ يقتني الخيْل ويُربّيها ويُروِّضها ويجريّها لجمال منظرها.
وإذا كانت تلك الوسائلُ من المواصلات التي كانت تحمل عنَّا الأثقال؛ وتلك المُخْترعات التي هدانا الله إياها؛ فما بالُنَا بالمواصلات في الآخرة؟ لابد أن هناك وسائلَ تناسب في رفاهيتها ما في الآخرة من متاعٍ غير موجود في الدنيا؛ ولذلك يقول في الآية التالية: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)}.
قوله تعالى: {لَّمْ تَكُونُواْ} صفةٌ ل {بلد} و{إلا بشِقٍّ} حالٌ من الضمير المرفوع في {بالِغِيْه}، أي: لم تَبْلُغوه إلا ملتبسِيْنَ بالمَشَقَّة.
والعامَّةُ على كسرِ الشين، وقرأ أبو جعفر، ورُوِيَتْ عن نافع وأبي عمرو بفتحها. فقيل: هما مصدران بمعنىً واحدٍ، أي: المَشَقَّة، فمِنَ الكسر قولُه:
رأى إبِلًا تَسْعى ويَحْسِبُها له ** أخي نَصَبٍ مِنْ شِقِّها ودُؤْوْبِ

أي: مِنْ مَشَقَّتها. وقيل: المفتوحُ المصدرُ، والمكسورُ الاسمُ، وقيل: بالكسرِ نصفُ الشيء، وفي التفسير: إلا بنصفِ أنفسكم، كما تقول: لم تَنَلْه إلا بقطعةٍ من كَبِدك على المجاز.
{الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)}.
قوله تعالى: {والخيل} العامَّةُ على نصبِها نَسَقًا على الأنعامَ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعِها على الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي: مخلوقَةٌ أو مُعَدَّةٌ لتركبوها، وليس هذا ممَّا نابَ فيه الجارُّ منابَ الخبرِ لكونِه كونًا خاصًا.
قوله: {وزينةً} في نصبها أوجهٌ، أحدُها: أنها مفعولٌ من أجلِه، وإنما وَصَل الفعلُ إلى الأول باللام في قوله: {لتركبوها} وإلى هذا بنفسِه لاختلالِ شرطٍ في الأول، وهو عَدَمُ اتحادِ الفاعلِ، فإن الخالقَ اللهُ، والراكبَ المخاطبون بخلافِ الثاني.
الثاني: أنها منصوبةٌ على الحال، وصاحبُ الحال: إمَّا مفعول {خَلَقَها}، وإمَّا مفعولُ {لتركبوها}، فهو مصدرٌ أقيم مُقامَ الحال.
الثالث: أَنْ ينتصِبَ بإضمارِ فِعْلٍ، فقدَّره الزمخشري {وخَلَقها زينة}، وقدَّره ابن عطية وغيرُه {وجَعَلها زينةً}.
الرابع: أنه مصدرٌ لفعلٍ محذوف، أي: وَيَتَزَيَّنُوْن بها زينةً.
وقرأ قتادةُ عن ابن عباس {لتَرْكَبوها زينةً} بغير واوٍ، وفيها الأوجهُ المتقدمةُ، ويزيد أن تكونَ حالًا من فاعل {لتركبوها}، أي: تركبونها مُتَزَيِّنين بها. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)}.
قومٌ أحوالهم مقاساة الشدائد؛ يَصلُون سيرهم بسُراهم، وقومٌ في حمل مولاهم؛ بعيدون عن كّدِّ التدبير، مستريحون بشهود التقدير، راضون باختيار الحقّ في العسير واليسير.
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)}.
فالنفوس في حَمْلها كالدواب، والقلوب معتقة عن التغنِّي في الأسباب. {وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ} كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ فكذلك أرباب الحقائق يجدون- اليومَ- ما لم يخطر قطُّ على بال، ولا قرأوا في كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إِحاطة بما أخبر الحق أنه لا يعلم تفصيله سواه.، وكيف يعلم من أخبر الحقُّ سبحانه أنه لا يعلم؟. اهـ.

.تفسير الآيات (9- 11):

قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)}.

.مناسبة الآيات لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالًا سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار، وأنه هو المنعم، فوجب اختصاصه بالعبادة، وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلًا منه فقال تعالى: {وعلى} أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى {الله} أي الذي له الإحاطة بكل الشيء {قصد السبيل} أي بيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما، فإن الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكه اهتدى {ومنها جائر} من سلكه ضل عن الوصول فهلك {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم} [التوبة: 115]. الآية {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [الإسراء: 15]. فالآية من الاحتباك: ذكر أن عليه بيان القصد أولًا دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانيًا، وذكر أن من الطرق الجائر ثانيًا دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع، ومادة قصد تدور على العدل المواه، ومنه القصد، أي الاستقامة، واستقامة الطريق من غير تعريج، وضد الإفراط كالاقتصاد، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل، وذلك لا يكون إلا عن إرادة وتوجه، فإطلاق القصد على العزم مستقيمًا كان أو جائرًا، إذا قلت: قصدته- بمعنى أتيته أو أممته ونويته، من دلالة الالتزام، وكذا القصد بمعنى الكسر بأيّ وجه كان، وقيل: لا يقال: قصد، إلا إذا كان بالنصف، والقصيد: ما تم شطر أبياته، لأن ذلك أعدل حالاته، قال في القاموس: ثلاثة أبيات فصاعدًا أو ستة عشر فصاعدًا؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في شرح القوافي: فالبيت على ثلاثة أضرب: قصير، ورمل، وزجر، فأما القصيد فالطويل التام، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ومعنى قولنا: المديد التام والوافر التام.
نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال، أعني الضربين الأولين منهما، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطّرخ؛ والقصيد: المخ السمين أو دونه، والعظم الممخ، والناقة السمينة بها نفي، والسمين من الأسنمة- لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر، وكذا القاصد: القريب، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة السير، لأنه أقرب إلى الاستقامة، ومنه قصدت كذا- إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلًا أو جورًا، وانقصد الرمح- إذا انكسر على السواء، كأنه مطاوع قصده، والواحدة من تلك الكِسَر قصده بالكسر، ورمح قصد- ككتف: متكسر، والقصد- بالتحريك: العوسج- لأنه سريع التكسر، والجوع- لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه، والقصد: مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان، وهي خوصة تخرج فيها، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام، أو هي الأغصان، أو هي الأغصان الرطبة قبل أن تتلون وتشتد- سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين، أو توجه النظر إليها للسرور بها، والقصيد: العصا- لأنها تقصد ويقصد بها، وأقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد فلانًا: طعنه فلم يخطئه، والحية: لدغت فقتلت- يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل، فكأنه استقام قصده بنفوذه، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته، ومنه المقصد كمخرج، وهو من يمرض ويموت سريعًا، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم- فعيل بمعنى مفعل، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافًا يبسًا.
والصدق ضد الكذب، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد، والصدق: الشدة، إذ بها يمتحن الصادق من الكاذب، ومنه رجل صدق، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله، فهو شديد العزم سديد الأمر، والصديق- كأمير: الحبيب الذي يصدق قوله في الحب بفعل، والمصادقة والصداق- بالكسر: المخالة كالتصادق، والصيدق- كصقيل: الأمين- لأنه مصدق في قوله، والملك- لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته إلى الكذب، والقطب- لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته، وقال أبو عبد الله القزاز: هو اسم للسها، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش، والصدق- بالفتح: الصلب المستوي من الرماح- لأنه صدق ظن الطاعن به، وكذا من الرجال، والكامل من كل شيء، ورجل صدق اللقاء والنظر، ومصداق الشيء: ما يصدقه، وشجاع ذو مصدق- كمنبر: صادق الحملة، أي شديدها، والصدقة- محركة: ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه، والصدقة- بضم الدال وسكونها: مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت: الكثير الصدق، وصدقت الله حديثًا إن لم أفعل كذا- يمين لهم، أي لا صدقت، وفعله غب صادقة، أي بعد ما تبين له الأمر، وصدقه تصديقًا- ضد كذبه، والوحشي: عدا ولم يلتفت لما حمل عليه، والمصدق- كمحدث: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها.